|
بقلم: إبراهيم الشيخ
التاريخ: 10 فبراير 2007م
القسم: مقالات مختارة
مضت فترة الانتخابات وما شهدته من شدّ وتجاذبات بين أطراف
كثيرة، كلّها كانت مُثقلة بأجندتها الخاصة، تناحرت بامتياز
فانتصر من انتصر وخسر من خسر. الجميع كان طرفا في تلك المعركة
؛ من سُلطة بما تمثله من توجهات مختلفة، الجمعيات أيا كانت
انتماءاتها، الصحف المُختلفة، المنتديات، حتى المساجد والمآتم
أُدخلت عنوة في تلك المعركة، وتمخضّ الجبل فولد برلمانا يضم
أربعون نائبا ممثلا للهوى الشعبي في غالبه، ُمنحصر التوجهات
الإيديولوجية والسياسية، يضم أسماءً ورموزا في العمل السياسي
والوطني وأخرى تبدو معروفة مناطقيا أكثر من تواجدها العام.
وهذا هو حال الانتخابات والديمقراطيات لكل مجتهد فيها نصيب،
وبغضّ النظر عن ما يقال هنا وهناك من أخطاء وتدخّلات وُشبهات
لم يُثبتها أحد بالمنطق العقلي والرقمي، تبقى النتائج ُمتوقعة
إلى حدٍ ما.
في تحليلي المتواضع كان أكبر الفائزين في تلك الانتخابات وبلا
ريب جمعية الوفاق الإسلامية، تليها بالترتيب جمعية المنبر
الوطني الإسلامي وأخيرا جمعية الأصالة الإسلامية، فجميع تلك
الجمعيات خسرت مرشحا واحدا فقط بينما استطاعت الوفاق توصيل 17
مرشحا + 1، والمنبر الإسلامي 7، ثم الأصالة 5 من القوائم
الأساسية التي أُعلنت.
وكما أن هناك نجاحا باهرا لتلك الجمعيات السياسية الإسلامية كل
في محيطه، كان هناك فشلٌ مُتجدد للتيار اليساري والليبرالي (
الديمقراطي) الممثل في جمعيتي العمل الوطني " وعد" بسقوط جميع
مرشحيها للنيابي والبلدي، إضافة لفشل جمعية المنبر التقدّمي في
إيصال أي ٍ من كتلة وحدتها الوطنية حتى أولئك الذين فازوا في
انتخابات 2002.
أي عاقل يدرك أن لكل نجاح ولكل فشل دروس وعوامل يجب أن يُعتبر
بها، ووحدهُ الإنسان الفاشل الذي يخسر ويَبقى رهين ذلك الفشل،
يٌلقي أسباب فشله على الآخرين. قد تكون هناك ظروفا سيئة ساهمت
في الفشل ولكن يبقى الشخص نفسه هو الأعرف بالأسباب الحقيقية
للفشل ولماذا تركه الناس وذهبوا لغيره.
كان بودّي أن لا أكون صريحا أكثر من اللازم لأستذكر بعض
الأرقام والنسب المذهبيّة لبعض الدوائر لتوضيح بعض المفارقات،
ولكن أمام الخلط الحاصل والتلاعب بمشاعر الناس وعقولهم، كان
لابد من وضع مجموعة من الملفات على الطاولة بكل شفافية ووضوح
ومن غير مواربة حتى نصل مع القارئ لقراءة واضحة للحدث، بدل
اتباع سياسة : اكذب، اصدق، اكذب حتى يصدّقك الناس.
كرة الطائفية المتدحرجة
خُطب وتصريحات وأشرطة ثم تهم متبادلة بالطائفية تُرسل عبر
الأثير في الصحف والمنتديات ورسائل الهاتف النقال، كلٌ يتهم
الآخر.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد على بعض تصريحات وخطب النواب محمد
خالد و جاسم السعيدي الّتي قيل عنها الكثير وكُتب عنها الكثير
- وبغض النظر عن اختلافي مع الشيخين في العديد من المواقف
والرؤى - يحق لنا أن نتساءل أين كل تلك الأقلام ذات الصراخ
العالي والتي لم تنطق ببنت شفة حول تصريح العضو الوفاقي الشيخ
أحمد أمر الله - الذي انسحب من المنافسة الانتخابية لصالح
الأستاذ عبد الرحمن النعيمي - عندما صرّح في أحد محاضراته عن (
الوحدة الوطنيّة)! في المقرّ الانتخابي للمحامي سامي سيادي:
بأن جمعية البحرين أولاً وجمعية مناصرة فلسطين ومركز الرأي
العام في بناية واحدة ويجب أن يُغلق ذلك المبنى لا بل ُيحرق !
علما أن هناك مجموعة من العيادات في نفس المبنى، فما خطورة ما
ذكره خالد والسعيدي بالنسبة لما تلفظه ذلك الشيخ الوفاقي
الُمعمّم، لماذا أٌبرز كلام أولئك ولم يتكلم أحد عن هذا الكلام
الخطير الأشبه بالتحريض على الحرق والتخريب! ليس هذا فقط، كلنا
يَذكر اتهام جلال فيروز – النائب الحالي- لرجال الشرطة والذي
لم يستطع أن يُثبته وتهرّب منه، لماذا تم السكوت عنه في حين
نجد تصريحات مرّ عليها أكثر من سنة مازالت بعض الصحف تعلكها
بين الحين والآخر حتى لا تنطفئ نيران الحقد والكراهية!
كما ذكرت إن الطائفية أصبحت كرة ملتهبة تتدحرج في المجتمع ولم
يبق مكان إلا دخلت فيه، حتى أصبحنا نتنفسها صباح مساء في صحف
ومقالات وتصريحات وخطب ومنتديات، لذا من المفارقات المُعيبة في
مجتمعنا السياسي أن نوجه سهامنا لأطراف ربما لا تكون أساسية في
الصراع ونتغافل عن خطابات وأجندات ُمتشبعة بالطائفية بامتياز
لم تتوان لا في تصريح ولا في خطبة ولا في عزاء عن الضرب على
ذلك الوتر البغيض. يجب على جميع تلك الأطراف أن توقف ذلك
الخطاب الموتور وكفانا مصادمات وشحناء شحنت النفوس وفرّقت
الصفوف.
نواب "م ،ع " ونواب " ص، غ"
في 2002 كان الهدف من المراكز العامة واضحا، حيث إرهاب
المقاطعة قد َوجّه الكثير من الناخبين للمراكز العامة خوفا من
الضغوط التي كانت تمارس ضد من أراد المشاركة، في انتخابات 2006
استمر العمل بنظام المراكز العامة مع وجود مراقبين من الجمعيات
المعترضة على وجود تلك المراكز، ومع وجود توجيه لكثير من
المرشحين لناخبيهم بالتصويت في المراكز العامّة وخاصة في
الدوائر الحرجة.
ما جعل تلك المراكز مثار شبهة هو عدم تسليم قوائم المصوتين
للمرشحين الفائزين والخاسرين حتى الآن، وهو خطأ وتقصير يجب أن
يُعالج سريعا، لقد كان أقرب تبرير للخسارة والذي تبنّته بعض
الجمعيات التي لم ُتفلح في إيصال أي من مرشحيها للبرلمان هو
دور المراكز العامة في (تزوير) النتائج وتحويلها من (نصر مؤزر
للمعارضة) إلى فشل ذريع مازالت تلك الجمعيات تلملم جراحها
إثره.
لقد أفقد نصر بعض المرشحين الجمعيات (المعارضة) صوابها، وما أن
انتهت الانتخابات حتى تبنّت تلك التهمة المعلّبة والمعدّة
مسبقا - حتى قبل الانتخابات - محاولةً إقناع الناس أن هناك
تزويراً ولكن من غير إثبات تلك التهمة، وتمادت في ذلك بأن
أطلقت على كثير من النواب لفظ نواب "م، ع"، وأظن أن هناك فرقاً
كبيرا بين أن تقول أن هناك توجيه معيّن للعسكريين أو غيرهم
للتصويت لمترشح ضد الآخر، وبين أن تقول أن هناك تزويرا وأن
هناك ثمانية آلاف صوت متجوّل ! من غير أن تدلل على ما تقول
بالأدلة والبراهين.
ولا أعلم سبب التهاون الرسمي المُفرط لدى لجنة الانتخابات في
عدم الرد على كل تلك التهم ومحاسبة كل ُمشكك في مصداقية اللجنة
ونزاهتها، ثم أليس من حق جميع المرشحين الإطلاع على أسماء
القوائم التي صوتت حتى تَسكت تلك الأفواه التي ما زالت ُمكتوية
بنيران الخسارة ولا تريد أن تعترف برصيدها الصفري عند رجل
الشارع.
سؤال آخر يجب أن يُجاب عنه : لو كان هناك تزويرا هل سترضى
السلطة أن يفوز الوفاق بسبعة عشر مقعدا يضاف له مقعد المستقل
الدكتور عبد العزيز أبل، خاصة بعد التصريح الإستفزازي للشيخ
علي سلمان قبل الانتخابات بأنه إذا لم تفز الوفاق بثلاثة عشر
مقعدا فإن هناك تزويرا في الانتخابات، السؤال : لماذا لم تقم
السلطة بإعطائه الثلاثة عشر مقعدا فقط أو بزيادة مقعد أو
مقعدين، ألا يعد ذلك العدد من المقاعد مهددا بالنسبة للسلطة !
يجب أن أقولها : والله من العيب أن تتعامل (المعارضة) مع
الجميع بهذا الأسلوب، شك مغلّف بعدم الثقة أفقد (المعارضة)
الكثير من قبولها لدى رجل الشارع.
لقد دندنت الوفاق على دعم الحكومة لمرشحين معينين بغية إسقاط
آخرين واستخدمت في تحقيق ذلك توجيه العسكريين للتصويت في بعض
الدوائر لترجيح كفة على أخرى، وتناست أن كتلتها الإيمانية وصلت
للمجلس عن طريق صكوك الغفران التي وجّهت الناخبين للتصويت لفئة
ضد فئة. أليس تلك مفارقة مضحكة نوعا ما على غرار قول الشاعر:
لا تنهى عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
في مقابلة الشيخ علي سلمان مع تلفزيون البحرين رفض الشيخ علي
الربط بين ما سبق بدعوى أن للسلطة الدينية الحق في أن تمارس ما
تراه مناسبا ولكن على الدولة أن تظل دائما على الحياد، وفي ظني
أن الشيخ علي سلمان ذكر ذلك وهو يعلم قبل غيره أن جميع حكومات
العالم تلعب لعبتها أيام الانتخابات ليصل من تراه أقل تأزيما
من الآخر، وكما قامت (المعارضة) بحشد جمهورها للكتلة الإيمانية
باستخدام صكوك الغفران، قامت الحكومة بحشد ما تستطيع لإسقاط
جميع النواب الذين لهم معها تجارب سابقة أيا كانت انتماءاتهم،
فكما ُأسقط النعيمي ُأسقط الدكتور سعدي في العاصمة فلماذا نجد
(المعارضة) مستغربة مما حصل وكأنه لم يكن في الحسبان!
ومن جانب آخر، وبناء على كلام الشيخ علي لتلفزيون البحرين
فأقول : إذا تركنا السلطة الدينية تمارس ذلك الدور كما ُذكر
فإن تلك مصيبة، فلماذا إذا نطالب بالبرلمان مادام نصفه معيّنا
بسلطة رجل الدين ! فحقيقة الأمر هنا أن الانتخابات كانت على 22
مقعدا فقط ولم تكن على 40، وانتظروا معي انتخابات 2010 لأنني
أعتقد جازما بفوز نفس العدد بالتزكية لأن تعيينات الكتلة
الإيمانية ستُفرض وعلى الجميع أن ينصاع لها، هذه هي
الديمقراطية العرجاء، فلماذا نلوم الحكومات إذاً ونحن نمارسها
بأبشع الصور والطرق!
من كان يُوجه المعركة ؟
رسائل هاتفية وإشاعات وتخوين وتكفير هنا وهناك، حرب لم تتوقف،
رسائل طالت الجميع، فنفس الرسائل التي نَشرت عن النعيمي بأنه
يساريّ التوجه وأنه موالٍ للوفاق، وتكلمت عن منيرة فخرو بأنها
تريد أن تدخل المجلس تحت عباءة الوفاق، وروّجت في نفس الوقت
أقوال سابقة لها عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين . نفس
تلك الرسائل طالت صلاح علي ودخلت حتى بيته وبأنه يشتري أصوات
الناخبين، ونفسها تلك النفوس التي روّجت صورة عبر البلوتوث
تشير إلى الطابور الطويل الذي ينتظر الرشاوي داخل مكتبه، وهو
طابور كان يتكرر مرارا وتكرارا لأخذ طلبات وشكاوى أهل الدائرة
للمساهمة في حلّها.
نفس تلك الرسائل شهّرت بمرشح المنبر سامي قمبر في الدائرة
الخامسة بالمحرق ونالت من ُسمعته، وهي نفسها تلك النفوس
المريضة التي روّجت عن توجه سامي سيادي وحقيقة دعم الوفاق له
،هي نفسها التي روّجت أكاذيب ونالت من أُسرة ناصر الفضالة
وحاولت تشويه سمعته.
مع ذلك تبقى المفارقة المخجلة هنا أن هناك فريقا ظل يعمل ولم
يلتفت لتلك الأساليب الرخيصة، لأنه يمتلك الثقة بنفسه، بينما
الفريق الآخر أقام الدنيا ولم يقعدها بعد، مؤتمرات صحفية
مازالت ُتنظّم ويُشتكى خلالها من تلك الرسائل الهاتفية ! ولم
يكتف بعض رموز ( المعارضة) بذلك بل قام في بعض برامجه
الانتخابية بعمل جرد حساب لعباداته ولديانته أمام الناس في
المقرّات الانتخابية حتى يردّ على تلك الرسائل! وخلال كل ذلك
لم ينتبه أحد ما إلى أن الضرر كان يُصيب الجميع، فمن هي الجهة
التي كانت تدير تلك المعركة لضرب المرشح الفلاني بالآخر، ومن
هي الجهة التي كانت تنشر وتخلط بين الأكاذيب والحقيقة لتشويه
سمعة المرشحين؟ سؤال يجب أن ُيبحث في شأنه.
حتى الحرب الإعلامية كان لها نصيب وافر في تلك المعركة، فبينما
نظّم التيار الإسلامي وبخاصة المنبر الإسلامي حملته قبل ما
يقارب الشهر من موعد الانتخابات، بدأ الآخرون باللحاق بذلك
الركب بعد أن شعروا بخسارة ذلك السلاح في تلك المعركة.
نجح المنبر الإسلامي في البحث عن مراكز التوجيه العام بالنسبة
لجمهوره فوجد صحيفتي أخبار الخليج والوطن لينشر خلالهما ملفاته
الإعلامية التي نجح خلالها في إبراز رموزه ومرشحيه، مما سبب
الغيظ والحنق لدى بقية الصحف لأنها لم تنل ولا قطعة في تلك
الكعكة، وكأنها لا تعرف بعد هجائيات الحملات الإعلامية التي
تعتمد على التحالفات المكسبية، لتُشن حملة منظمة ضد المنبر
الإسلامي بصورة متفاوتة في الثلاث صحف الأخرى الوسط والوقت
وقبلهم الأيام التي وصل بها الحال – حتى هذا اليوم – في عدم
وضع أي صورة لأي نائب من المنبر الإسلامي على صفحاتها، في موقف
أقل ما يقال عنه بأنه "طفولة إعلامية"، أقول حتى الأيام سقطت
بقوة في تلك المعركة حيث لم تنجح في سعيها طوال السنوات
الماضية لتشويه سمعة المنبر الإسلامي من خلال ما كانت تتعرض
لهم من سب وتشويه واختلاق تصريحات مجهولة النسب والمصدر للنيل
منهم.
المفارقة الغريبة هنا أن وعد والوفاق وغيرهم كلٌ سخّر بعض
الصحف للهجوم على الآخرين، وعندما يمارس غيرهم حقهم في التحرك
الإعلامي تجدهم يكيلون التهم جزافا للصحف الأخرى من أنها كانت
تحابي البعض على الآخر! هل هو استغفال أم انتقائية صلفة تريد
أن تلعب على عقول السذّج من المتابعين.
من أشعل أول كبريت يا وفاق ويا رفاق؟
في ظني المتواضع، هذا هو السؤال المسكوت عنه : من الذي هيّج
الشارع السنّي يا وفاق ؟ من الذي لعب على الورقة الطائفية
والمذهبية بصورة علنية قبيحة ؟ من الذي ألبس مرشحين الوفاق
عباءة المؤمنين وأخرج الآخرين من الباب الشرقي، أليس هم أنفسهم
من ضرب قيم المواطنة والدين والأعراف عرض الحائط ليقول للآخرين
انتخبوا كتلة المؤمنين ولا تنتخبوا الآخرين !
ولنا أن نتخيل الإقصاء المرعب الذي مارسته الوفاق، فحتى الحليف
الرباعي الشيخ المحفوظ رئيس جمعية العمل الإسلامي لم تنطبق
عليه مواصفات المؤمنين ليحظى بشرف الدخول لتلك الكتلة! لفظوا
أمل ولفظوا جميع الكفاءات الشيعية في مختلف دوائرهم ليقولوا
لنا بعد ذلك أن هناك حربا مورست لإقصاء التيار الديمقراطي
وتيار المعارضة كما يحلو لهم تسميته، من أقصى من ؟ وهل تعتبر
الوفاق دعمها لمرشحي وعد، وكلنا يعرف الاختلاف الإيديولوجي بين
النقيضين دعما للكفاءات أم هو دعم للمصالح، لماذا لم تنقل
الوفاق الأستاذ عبد الرحمن النعيمي أو إبراهيم شريف لدائرة
مضمونة 100% إن كانت فعلا تريد إيصالهم للمجلس، كما فعلت مع
جلال فيروز الذي خسر الانتخابات البلدية في 2002 في الدائرة
الثالثة في الوسطى لينقل في 2006 لدائرة أخرى يفوز فيها بسهولة
متناهية كنائب وليس كبلدي!
من أشعل الكبريت غير قيام الوفاق حشد جمهورها ضد مرشحين
مستقلين ومرشحين المنبر الإسلامي بالذات ليس لعيون المرشحين
وإنما سعيا للوصول للأغلبية التي تحقق لها رئاسة المجلس وغيرها
من المكتسبات، ولمن لا يعرف ماذا حدث فليقرأ التالي :
لقد تدّخلت الوفاق في جميع الدوائر التي لها فيها أي تواجد
نسبي سواء كان بسيطا أو مرجحا، خاصة في الدوائر التي تعتبر
سنيّة في الغالب ويترشح فيها مرشحين من المنبر الوطني الإسلامي
بالذات وبعض المستقلين وذلك بغية إسقاطهم وتوصيل من تستطيع
ضمان صوته لصالح توجهها لاحقا داخل المجلس.
لقد تحالفت الوفاق مع منيرة فخرو وتخندقت معها في خندق واحد
وخسرت، وتحالفت مع محمد فخرو في ثالثة المحرق ضد الدكتور علي
أحمد وخسرت، ورمت بثقلها مع أنور العبد الله ضد محمد خالد
وخسرت، وتحالفت مع سامي سيادي ضد ناصر الفضالة وخسرت، وتحالفت
مع النعيمي ضد عيسى أبو الفتح وخسرت، وتحالفت مع إبراهيم شريف
ضد بو مجيد وخسرت، ودخلت في منافسة حامية مع مهدي أبو ديب ضد
إبراهيم الحادي وخسرت، حتى في الدائرة الثامنة في الوسطى جيّشت
المعامير ضد الدكتور عبد اللطيف الشيخ وفشلت.
هذا في النيابي غير البلدي، بعد كل تلك المصادمات وتلك المعارك
هل تظن الوفاق أنها مارست العملية الانتخابية بشفافية
ومصداقية، أم أنها مارست الدور الإقصائي ضد الآخرين، ثم تأتي
بعد ذلك لتشتكي من أن الآخرين قد أقصوها وهمّشوها! كما ذكرت
لكم إنها مفارقة مضحكة محزنة في زمن العجائب!
رحم الله امرءا عرف قدر نفسه يا يسار
كما ذكرت في مقدمة هذا المقال، قد يكون ممثلو اليسار في
الانتخابات ( وعد والمنبر التقدمي) هما أكبر الخاسرين حيث لم
يفلحوا في إيصال أي من عناصرهم للمجلس النيابي أو حتى البلدي.
مع ذلك مازالت جميع الصحف الناطقة باسمهم وبعض كتاب المقالات
المحسوبين على الجمعيتين يعيشون عقلية التزوير والتشكيك في كل
شيء، وأنا هنا لست بصدد الطبيب النفسي حتى أعالج أولئك، ولكن
سؤالي : هل عرفت تلك الجمعيات قدرها الحقيقي عند رجل الشارع ؟
هل عرفت أنها وإن كانت تقول أن لها تاريخ نضالي وطني فإن رجل
الشارع لم يعد تستهويه تلك الشعارات الحماسية التصادميّة
الملتهبة، رجل الشارع ملّ من السب والشتم والتخوين و( التكفير
السياسي) كما أطلق عليه أحد الزملاء.
لقد حضرت بعض فعاليّات المقرّات الانتخابية لرموز وعد، وتابعت
كما تابع غيري القضايا المعيشية التي كانت تُطرق كما تُطرق في
بقية المقرّات الانتخابية، ولكن ما كان يميّز مقرّات رموز
(المعارضة) هي حالة الأنا الطهرية التي تفوق أي تصور، كنت
أستمع إليهم وهم يتكلمون عن الآخرين فلا أتمالك نفسي عن
التعليق لمن بقربي : إذا كنت بهذه الطهرية والملائكية وغيركم
شيطاني ومشبوه فلماذا لفظتكم الشعوب في كل بلد دخلتم فيه
الانتخابات، وانتخبت الإسلاميين!
لنكن صريحين بصورة أكثر، الطُهر السياسي صفة طيبة ولكن منظور
ذلك الطهر قد يختلف من شخص لآخر، فقد ترى في نفسك أنك مناضلا
من فئة الخمس نجوم، بينما يراك الآخرون على النقيض من فئة
السبع نجوم!
ما أريد توصيله ببساطة هو أنك لا تستطيع أن تحمل الناس على
تصنيفك في فئة معينة والناس ترى فيك غير ذلك، فإذا كنت مناضلا
صاحب تاريخ وطني – على عيني وراسي- ولكن أن تحتكر الوطنية
لتوجهك وتكيل الاتهامات للجميع عن اليمين والشمال ثم إذا ما
ردّوا عليك، اتهمتهم بالردة السياسية وشنّعت عليهم عبر
التصريحات والمقالات، فأظن أن تلك مفارقة لا تليق بأصحاب العمل
السياسي الذين يحترمون جميع خصومهم حتى وإن اختلفوا معهم، وهم
أنفسهم من يصافح المنافس قبل أن تبدأ المعركة ويبارك له إن ربح
ويواسيه إن خسر. لكن للأسف ما شهدناه في فترة الانتخابات كانت
حرب لا أخلاقية من الجميع ضد الجميع، ولا أستطيع أن أزيد على
ما سبق إلا أن أقول : أن الفتنة نائمة قاتل الله من أيقضها.
قضية أخرى هامة على نفس الصعيد، فقديما قيل : رحم الله امرءا
عرف قدر نفسه، هذه الحكمة النبوية تدعونا للتساؤل: هل عرف
اليسار قيمته لدى المواطنين؟ أم لم يستيقظ بعد من سباته ومن
صدمته؟ هناك أناس ُكثر قد يقدّرون رمزيتك لشيء ما، لكن هم
ليسوا ملزمين باختيارك ممثلا عنهم.
لقد كنت أسمع وأقرأ عن الخطاب العاجي، البعيد كل البعد عن
الناس وعن قضاياهم المصيرية، ولقد وجدت في خطاب (المعارضة)
خطابا شعبيا يحاكي هموم الناس لكنه للأسف كان عاجيّا طغى عليه
جانب المزايدة حتى غدا باهتا رديئا ما أفقده المصداقية وأفقده
التعاطف ومن ثم التأييد.
لقد خلع رموز (المعارضة) في وعد ثوب البعد عن المساجد خلال
تاريخهم الطويل ثم وجدناهم أيام الانتخابات يزاحمون الصفوف،
عهدناهم عبر تاريخهم ينتظرون الجنائز خارج المساجد، ثم وجدناهم
أيام الانتخابات بأم أعيننا يسابقون المصلين إلى الصفوف وفي
أياديهم السُبح ! وكل ما سبق لا يفيدني ولا يضرني في شيء " فكل
امرئ بما كسب رهين" لكني أود هنا أن أشير إلى أن مجموعة كبيرة
من مبادئ الرفاق تغيّرت لإرضاء الناس ولكسب أصواتهم وهذه صفة
تسمى في القاموس الديني " نفاق" حيث أنك تأتي شيئا ليراك الناس
وقد كنت قبل من المعارضين!
لقد كان للخطاب الإلغائي والإنتقائي والتجييشي سببا كبيرا في
توحد الجميع ضد الوفاق والرفاق، وكان بودي لو تخيّل الأخوة في
تلك الجمعيتين هذا الأمر: تخيّل نفسك تدخل دائرة ذات أغلبية
شيعية ثم تعلن أنك سوف تتخندق في خندق واحد مع فلان الفلاني،
وهذا الشخص يختلف ايدولوجيا مع الكثرة الغالبة، ثم إذا خسر
تتهم الجهات العليا بالتزوير، أليس هذا ما قاما به وعد والوفاق
في جميع دوائرهم الحرجة وكانت النتيجة الطبيعية أنهم خسروا
فيها جميعا.
نداء أخير للإخوة الرفاق : لقد دخلتم تلك الانتخابات تحت عباءة
الوفاق ولو قمتم بتجميع أعداد من صوّت لكم لوجدتم الغالبية
العظمى منهم من جمهور الوفاق، وهذا ضعف رهيب يجعل من ألم
الهزيمة مضاعفا ويحتاج بالفعل من تلك الجمعيات بأن تتواضع
قليلا لتراجع صيغة الخطاب الذي تتبناه، والذي يخوّن الجميع
ويتّهم الجميع ويجعل من نفسه ملائكيا، يدغدغ مشاعر الناس
بأرقام كثير منها صحيح وكثير منها غير دقيق! يريدون من الجميع
أن يلبس اللون البرتقالي مع أن الجميع يفضلون اللون الأحمر!
صراع المرجعيات ومصلحة الوطن
ليس من الغريب أن أفاجأ أثناء إعداد هذه المقالة بالمفارقة
الأغرب والأعجب والتي تمثلت بمقاطعة جمعية الوفاق لجلسة
افتتاح الفصل التشريعي الثاني لترسم العديد من علامات
الاستفهام حول طبيعة مفهوم المشاركة لدى الوفاق.
لقد خرجت الوفاق من مقاطعتها لانتخابات 2002 بمشاركة في
انتخابات 2006، لكني أظن بعد ما حدث أن عقلية المقاطعة مازالت
تتلبس الوفاق كفكر استراتيجي يرفض المشاركة في وضع لا يكونوا
فيه في وضع التحكّم والسيطرة، وهو أمر جد خطير في واقع سياسي
ديمقراطي يفرض على الجميع أن ينحني لنتيجة ما تفرضها الأغلبية،
وقد تكون للوفاق أغلبية في المقاعد ككتلة، ولكنها أصبحت ثاني
كتلة بعد أن أجبرت الجميع على التخندق ضدها،وهو أمر يجب أن
تعيه جيدا وإلا فالمقاطعة قد تكون أولى من دخولك في وضع تعلم
خفاياه ثم تتنكر له بتسجّيلك مواقف أقل ما يقال عنها أنها
تفتقر إلى روح المسئولية الوطنية والنضج السياسي.
لا أحد ينكر حق أي فرد أو جماعة باتخاذ ما تراه مناسبا من
مواقف وآراء، ولكن احترام وتوقير الأعراف والتقاليد السياسية
ودرء الفتن صفات حميدة تُبيّن مدى احترام هذا الطرف أو ذاك
للقانون. خاصة مع وجود فرصة سانحة داخل المجلس للتغيير
والتعديل.
لقد قرأنا في أكثر من صحيفة أن قرار عدم حضور الوفاق أُعلن في
خطبة الشيخ عيسى قاسم يوم الجمعة الذي سبق جلسة الافتتاح، وهذه
إشارة بليغة عن مصدر ذلك القرار ومرجعيته، والمفارقة هنا قائمة
بين طرف يقوم بدور تحشيدي وتصادمي ثم يُنكر على الآخرين قيامهم
بنفس الدور، أليس من المنطق أن يتجمّع ضدي الآخرون تحت غطاء أي
مرجعية أخرى كانت، من ُسلطة أو غيرها حينما يرون منّي مؤشرات
فقدان الثقة.
لقد تم تبرير عدم المشاركة في جلسة الافتتاح بأنها رد على
الإقصاء الذي مورس ضد الوفاق ! وأنا أتساءل مرّة أخرى: من
يُقصي من ومن يُهمش الآخرين يا وفاق، حصلتم على 17 مقعد +1 ثم
تقولون إقصاء وتهميش. إنها الديمقراطية الإنتقائية التي يجب أن
تزول من قاموس الوفاق حتى تستطيع مد جسور الثقة بينها وبين
بقية الكتل من جانب، وبينها وبين المتابعين من المواطنين الذين
سئموا من كثرة المفارقات المضحكة والمحزنة في زمن العجائب،
والتي جعلت الشارع البحريني محتقنا على الدوام .
لقد َتعمّدتُ أن أضع كلمة الجمعيات المعارضة بين قوسين تحفظا
منّي على نهج تلك (المعارضة) والذي ما زال َينحى بعيدا عن
وجوده كطرف مسئول ضمن إطار تعددية يحكمها نظام ديمقراطي يجب أن
َيقبل الجميع بنتائجه سواء كانت معه أو ضده لا أن ينقلب عليه
في أول فرصة تُسنح له، ليحاول إقناع الناس كما يفعل دائما في
كل قِطر بأنه الأغلب والأكثر والمظلوم ! فرفقا بنا يا وفاق
ورفقا بنا يا رفاق فمازال الطريق طويلا ومازالت الأيام حُبلى،
وكان الله في عون الوطن.
|