مقالاتي - الرئيسية الشأن السياسي البحريني الفكر الإسلامي قضايا العالم الإسلامي شخصيات إسلامية مقالات مختارة البحث عن مقال
 
الديمقراطية ذلك الدين الجديد
 

بقلم: زاهر محمد سعيد

التاريخ: 4 أبريل 2007م

القسم: مقالات مختارة

 

الإنسان يحتاج إلى قدر عظيم من الشجاعة اليوم لكي يمارس حقه المشروع في التعبير عن رأيه بشيء من النقد تجاه مفهوم الديمقراطية أو بالأحرى تجاه المفهوم المستجد للديمقراطية الذي يراد فرضه على شعوب الأرض اليوم بالقوة وبشكل يتنافى مع مبادئ الديمقراطية ذاتها!

ذلك لأن ما يسمى بالعالم المتحضر بقيادة أميركا قد أحاط هذا المفهوم بهالة من القداسة فأدخله في سياج حصين من الخطوط الحمراء التي ما إن يجرؤ و يتعداها بشر حتى يُنْعتَ بنعوت الظلامية أو الإرهاب أو انتهاك حقوق الإنسان إلى غيرها من نعوت النظام العالمي الجديد.

والويل كل الويل لو قرر شعب أو نظامُ حكمٍ أن يتبنَّى منهاجاً لإدارة شؤونه ينبع من هويته وتقاليده وقيمه حتى لو كان هذا المنهاج لا يبتعد كثيراً في جوهره عن نموذج الديمقراطية الغربية أو قل هو نسخة مطورة منها تتناسب شيئاً ما مع ثقافة هذا الشعب أو ذلك النظام.

 

وما أود طرحه هنا يندرج في إطار العلاقة بين الديمقراطية والإسلام. فمن المعلوم أن الإسلام منهج شامل لحياة الأفراد والمجتمعات، وأن الديمقراطية بمفهومها الأصلي هي آلية لتنظيم مشاركة الناس في الحكم.

إلا أنه في السنوات الأخيرة توسَّع مفهوم الديمقراطية لأسباب نراها سياسية ليشمل جوانب الحياة كلها من مثل: النظرة للدين والتديّن، الحريات الشخصية (تقديس الحرية الفردية المطْلقة)، علاقة الإنسان بالإنسان، علاقة الرجل بالمرأة، حقوق المرأة، حقوق الطفل، حقوق الأقليات، الأحوال الشخصية ومؤسسة الأُسرة، الحياة الاقتصادية، التجارة العالمية، القضاء، إنتاج المعرفة ونشرها، النظرة لمقاومة الاحتلال، تعريف الاستعمار، تدخل الدول في الدول الأخرى، علاقة الإنسان بالبيئة، الأخلاق الأساسية وأخيرا حقوق الإنسان عموماً.

 

من هنا جاء التعارض بين ما يُسمَّى بمبادئ الديمقراطية بإطارها الموسَّع هذا وبين الإسلام. ذلك أن الإسلام هو أصلاً نظام شامل واسع ينتظم كافة جوانب الحياة، والديمقراطية بمفهومها المستجد جاءت منافِسة للإسلام بل وجــــاءت في نظر البعـــض لتحل محله وتَجُبَّه. فهي الدين الجديد الذي يُبشر به دعاتُــــه مـــن الغرب المادي العلمـــاني و أتباعهم اليـــوم في عالمنــا الإســلامي وأمم الشرق عموما.

 

والإسلام والمسلمون بالطبع يرفضون أي دين جديد لأنهم يعتقدون أن الإسلام هو خاتم الرسالات ولأن ‘’الديمقراطية الشمولية’’ هذه هي ليست من عند الله أصلاً وإن كانت مبادؤها تلتقي في كثيرٍ من الأحيان مع مبادئ الإسلام إلا أن مرجعيتها البشرُ أنفسهم وأهواءُ البشر.

فالبشر مهما بلغوا من تطوُّر ونضج لن يَنْفكُّوا عن إسارِ المصالح الشخصية أو الرغبات والشهوات أو التعصب للقوم أو للجنس أو للطائفة.

بينما الإسلام هو من عند خالق البشر جميعاً الذي يعرف بالضبط ما يصلح لهم وما يسعدهم وما يُجنِّبهم العناء والشقاء.

 

قد تكون الديمقراطية اليوم هي أحسن آلية مُتاحة لتنظيم مشاركة الشعب في الحكم. ولكن حتى هذه الآلية المحْكمة لا يمكن أن تضمن المشاركة الحقيقية للناس والوصول إلى أفضل مجموعة تحكمهم والوصول إلى أفضل قوانين تنظم أمورهم، لا يمكن لهذه الآلية أن تضمن كل ذلك من دون دافع أخلاقي مرتبط بعلاقة روحية وطيدة بين الإنسان وقوة الإله الخارقة يراقبها وتراقبه فتدفعه دفعاً لاحترام مسؤولياته وواجباته وتُحْيي ضميره فلا ينحرف ولا يشط ولا ينحاز إلا للقيم والمصالح العُليا لوطنه ومجتمعه.

 

والواقع اليوم يشهد أنه بسبب غياب هذا العامل الأخلاقي الروحي عن الديمقراطيات الغربية فإن الديمقراطية انحرفت عن القيم التي تُنادي بها وأصبحت واجهة جميلة وظيفتها أن تعطي الشرعية للكثير من ممارسات الاستبداد والظُلْم والتمييز والفساد والاستغلال وازدواج المعايير في تطبيق القوانين، سواءً على المستوى المحلي أو على مستوى العلاقات الدولية.

كمـــا وقد تركّزت السُلْطة في النظم الديمقراطية الغربية بأيدي نُخَب ضئيلة من محتكري الثروة والإعلام المرتبطين بشبكة من المصــــالح المادية وقد استمر ذلك منذ عقـــود طويلـــة بحيث لا نكــــاد نرى أحداً من خـــارج هذه النُخـــَب يستطيع أن ينفذ إلى السُلْطة.

فلا معنى حقيقي لما يُسمُّونه بمبدأ تداول السلطة الذي تقوم على أساسه الديمقراطية.

وعليه فإنا ندعو الغرب أن يُصلح أوضاعه فُيْخلص للديمقراطية هو أولاً قبل أن يبشر بدينها الجديد في العالم الثالث!

 

نحن موقنون أنهم لا يَدْعوننا لهذا الدين الجديد مخلصين لنا النصيحة أو للرقي بمجتمعاتنا، وإنما هم يفعلون ذلك ليتيحوا لأنفسهم نطاقاً أوسع من مجالات التدخل التي تمكنهم من اختراق مجتمعاتنا و خلط الأوراق فيها ومن ثم إعادة ترتيب أقاليم العالم الإسلامي للمزيد من الهيمنة بما يخدم في النهاية مصالحهم الاقتصادية والسياسية.

 

إننا نؤمن بأن مبادئ الإسلام العظيم هي المبادئ الإنسانية الحقيقية في صورتها الأسمى والأشمل التي تُراعي كافة حقوق الإنسان وتنشر العدل والسلام على مستوى الفرد والمجتمع وبين الدول على مستوى العالم.

 

وما ذلك إلا لأنها من تشريع خالق البشر الذي يَعْلم ما خَلقَ وهو العليم الخبير.

 
المصدر: جريدة الوقت - البحرين طباعة المقال

بدعم من: جناحي إنفو - عمار جناحي