مقالاتي - الرئيسية الشأن السياسي البحريني الفكر الإسلامي قضايا العالم الإسلامي شخصيات إسلامية مقالات مختارة البحث عن مقال
 
قيم الإسلام وقيم الديمقراطية
 

بقلم: زاهر محمد سعيد

التاريخ: 4 أبريل 2007م

القسم: مقالات مختارة

 

إذا أخذنا مبدأ المشاركة الشعبية في الحُكم كأحد مبادئ الديمقراطية نرى أنه مبدأ مهم في الإسلام وهو أحد متطلبات الشورى الذي أَمَرنا الله بانتهاجها في أمورنا كافة. ولكنها مشاركة لا تتعدَّى حدود الله. فلا تشريع مطلق للبشر لأنه ينافي عقيدة توحيد الحاكمية لله إنما هو تشريع ضمن إطار شرع الله وإلا تخبَّط الناس وفقدوا مرجعيتهم ونقطة ارتكازهم. والمشاركة لا تَعْني وصول أُناس فاقدي الأهلية إلى أخطر وظيفة في المجتمع ألا وهي وظيفة التشريع والرقابة. إذ لابد أن يكون لمن يترشح لحمل هذه المسؤولية مؤهلاته ومواصفاته المناسبة.

 

وإذا أخذنا ثانياً مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وعدم التمييز في الحقوق كما تدعو إليه مبادئ الديمقراطية الموسَّعة نرى أن الإسلام أعطى للمرأة نفس حقوق الرجل بل زاد عليها عندما أمر الرجل بالمبالغة في إكرامها. والفروق القليلة التي أوردها الشرع بين الجنسين إنما تأتي منسجمة مع توزيع الأدوار بينهما في المجتمع بما يكفل بقاء مؤسسة الأُسرة واستقرارها وسعادتها ويضمن تنشئة أجيال صالحة سوية صحيحة في عقولها وأبدانها ومشاعرها وقيمها.

 

أما مبدأ حماية حقوق الأقليات في المجتمع المسلم فالتاريخ خير شاهد على مدى ما تمتَّعت به تلك الأقليات في ظل الحكم الإسلامي من حقوق وأمان ورعاية لم تجدها أقلية قي أيٍ من المجتمعات التي تدّعي الديمقراطية اليوم. فالنظام الإسلامي يُقر ويعترف بتعدد العقائد والأجناس في المجتمع الواحد فيدعو إلى المساواة في الواجبات والحقوق، بل يأمر المسلمين بواجب الرعاية والإحسان نحو الأقليات، فالمواطنة في الإسلام مبدأ واضح منذ مدينة الرسول الأولى، فالكل يتمتع بحرية العبادة والتعبير والعمل وخدمة الوطن ما دام يحترم الإطار العام والعقْد الاجتماعي المبرم في المجتمع.

 

والإسلام يتعدّى ذلك إلى قبول مشاركة غير المسلم في العمل السياسي الإسلامي، إذ أن النظام السياسي الإسلامي ليس حكراً على المسلمين فقط، فهو يتميز بمبادئ إنسانية راقية تدعو إلى تنظيم الدولة بشكل كفء على أسس أخلاقية رفيعة يلتف حولها ويقبلها العُقلاء في المجتمع الواحد بِغَضِّ النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي. ولذلك نحن نرى في التاريخ الإسلامي الوزراء والمستشارين من غير المسلمين الذين قاموا بواجبهم الوطني على أكمل وجه في ظل الدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية ليست دولة دينية ثيوقراطية وإنما هي دولة ترعى مصالح جميع مواطنيها ويديرها جميع مواطنيها من دون تمييز وهي بذلك إنما تحكم بشرع الله فيَحيا فيها الجميع بسعادة ومساواة وعدل ورحمة.

 

وإذا أخذنا رابعاً الحريات في المجتمع الإسلامي كواحد من أهم مبادئ الديمقراطية نرى أنه ما من منهج قدس الحرية كما قدَّسها الإسلام لأنها تنبع مباشرة من مبدأ توحيد الله عز وجل فالتوحيد يعني بالدرجة الأولى تحرير العباد من الخوف من أحد إلا الله أو الارتهان لأحد مخلوقات الله وهذا ينسحب على الأفراد جميعاً ذكوراً وإناثاً وعلى الشعوب في علاقتها بالمحتلين والمستعمرين وفي ممارسة حقها المشروع في تقرير مصيرها. وما مبدأ الجهاد لمقاومـة الاستعمار والهيمنـة، وهو المبدأ الذي يحاربه الغرب اليوم، إلا أحد تجليات تمسك المسلمين بحريتهم !!

 

وحرية الاختيار مكفولة في الإسلام. وهي إذا كانت مقررة فيما يخص حرية التدين مصداقاً لقوله تعالى’’ لا إكراه في الدين ‘’ فإنها من باب أولى أشد إقراراً لما دون ذلك من شؤون السياسة والحياة. لكن الحرية في النظام الإسلامي حرية منضبطة تُراعي حقوق الآخرين فلا فائدة في إقرار حق حرية الفرد المطلقة إذا كانت تؤدي إلى سلب حرية فردٍ آخر أو الإضرار به أو تؤدي إلى الإضرار بمؤسسة الأسرة التي هي المكوّن الأساسي للمجتمع كما هو حاصل لدى النظم الديمقراطية.

ومن هذا المنطلق فإن حرية التعبير في ديننا تراعي الإطار الأخلاقي للمجتمع وتحافظ على أمنه الاجتماعي. تلك كانت أمثلة من مبادئ الإسلام التي يدّعيها دعاة الديمقراطية اليوم. ولقد أكدنا من خلالها أن تلك المبادئ تأتي في الإسلام منسجمة متناغمة مع العقيدة الكلية المحركة للمجتمع فلا تتخبط ولا تتعارض ولا يُصارع بعضها بعضاً.

 

خلاصة القول إن مفهوم الديمقراطية يجب ألا يتعدى حدوده عندنا نحن المسلمين كونه آلية عملية جيدة لتنظيم مشاركة الناس في الحكم. أما أن يتحول إلى منظومة من العقائد والقيم ومناهج لتنظيم كافة مناحي الحياة فإن ذلك مرفوض لأن ديننا أشمل وأحكم، ونحن المسلمون واثقون من إنسانية مبادئنا وتفوقها على مبادئ دعاة الدين الجديد.

 
المصدر: جريدة الوقت - البحرين طباعة المقال

بدعم من: جناحي إنفو - عمار جناحي