مقالاتي - الرئيسية الشأن السياسي البحريني الفكر الإسلامي قضايا العالم الإسلامي شخصيات إسلامية مقالات مختارة البحث عن مقال
 
حوار مع جريدة الوطن - ضمن حلقات سيرة الشيخ عبد الرحمن الجودر رحمه الله
 

الكاتب والمحاور: وليد صبري

ضيف الحوار: محمود حسن جناحي

التاريخ: 11 نوفمبر 2007م

القسم: الفكر الإسلامي

 

في‮ الحلقة الأخيرة من سيرة الشيخ الراحل عبدالرحمن الجودر نواصل إلقاء الضوء على أبرز الانتقادات والسلبيات والتساؤلات التي‮ وجهت لجمعية الإصلاح والشيخ الجودر كممثل لها،‮ وتيار الإخوان المسلمين في‮ البحرين،‮ والذي‮ أثرناها في‮ الحلقة السابقة محاولين إيجاد إجابات عليها ربما طال انتظارها‮ !

 

المنبر الوطني الإسلامي - مملكة البحرين

 

‮"الوطن‮" أجرت حواراً‮ مطولاً‮ مع عضو الأمانة العامة بجمعية المنبر الوطني‮ الإسلامي‮ محمود حسن جناحي‮ للإجابة على تلك الانتقادات والتساؤلات نستعرضها في‮ الحوار التالي‮:

 

في‮ البداية‮ يوضح عضو الأمانة العامة بجمعية المنبر الوطني‮ الإسلامي‮ محمود حسن جناحي‮ في‮ رد على سؤال‮ يتعلق بالموقف السلبي‮ الذي‮ اتخذته جمعية الإصلاح من انتفاضة الخمسينات والإصلاحات السياسية في‮ تلك الفترة،‮ قائلاً‮:

"لم تكن هناك إصلاحات سياسية في‮ تلك الفترة حتى‮ يكون موقفنا منها سلبياً‮ أو إيجابياً‮! أما فيما‮ يتعلق بالموقف من أحداث الخمسينات فإنه وحسب علمي،‮ كان بعض أعضاء الجمعية‮ "من الكبار في‮ السن الآن ومنهم الشيخ الراحل عبدالرحمن الجودر‮" يشاركون في‮ اجتماعات الهيئة الوطنية العليا باعتبارهم ممثلين عن جمعية الإصلاح‮. ولكن لم تكن العلاقات بين الطرفين ودية تماماً،‮ وذلك لعدة أسباب أهمها وأبرزها اختلاف المنطلقات الفكرية والعقائدية للطرفين،‮ فقادة الهيئة كانوا من العلمانيين واليساريين والقوميين،‮ كما أن بعضاً‮ من هؤلاء القادة كانوا ممن‮ ينظر إليهم بعين الشك والارتياب،‮ وقد وضح ذلك لاحقاً‮ عندما تحولوا إلى شخصيات رسمية في‮ الدولة‮! وعلى العموم فإن الموقف من تلك المسألة ليس هو الفاصل في‮ الحكم على الجمعية بأنها كانت ضد المطالب الشعبية‮. لقد كان الدور السياسي‮ لنا في‮ تلك الحقبة دوراً‮ ضئيلاً‮ فعلاً،‮ ولكن الجمعية كانت نشطة في‮ المجالات الأخرى التي‮ كانت تساهم في‮ خدمة الدين والوطن والمجتمع،‮ كالمجالات الثقافية والدعوية والتربوية والخيرية،‮ ولقد كانت تلك الأنشطة هي‮ السبب في‮ الشعبية التي‮ تتميز وتتمتع بها الجمعية حتى الآن ولله الفضل والمنة‮".

 

وعن حقيقة انعدام دور تيار الإخوان المسلمين في‮ انتخابات المجلس التأسيسي‮ والمجلس الوطني‮ في‮ البحرين عام‮ 1973‮ إضافة إلى أن موقف سياسيي‮ الإخوان ظل مفقوداً‮ لفترات طويلة،‮ من الخمسينات وحتى التسعينات،‮ يبين جناحي‮ أنه:

"كان للمد اليساري‮ والقومي‮ أثره في‮ ضعف الدور السياسي‮ للحركة الإسلامية في‮ البحرين،‮ ولقد كان لهذا الأثر وجود في‮ بداية السبعينات،‮ حيث كان سبباً‮ رئيساً‮ في‮ هزيمة الشيخ عبدالرحمن الجودر في‮ انتخابات‮ 1973‮ في‮ المحرق‮. ولقد عانى ذلك الجيل من أعضاء وقادة الجمعية من تأثير الآلة الجبارة للإعلام الناصري،‮ ذلك الإعلام الذي‮ لم‮ يجاره في‮ التاريخ المعاصر سوى الإعلام النازي‮! فلقد كانت أعمال التشويه والإيذاء النفسي‮ واضحة ضد تيار الجمعية كما سمعنا ونسمع من رواد ذلك الجيل‮. ولكن مجرد ترشح الرمز الرئيس للجمعية في‮ تلك الانتخابات‮ يدل على أننا كنا قد بدأنا محاولات التحرر من أغلال تلك السيطرة اليسارية والناصرية والبعثية".

 

وفي‮ رد على سؤال‮ يتعلق بالمقارنة بين مسيرة تيار الإخوان المسلمين في‮ كل من البحرين والكويت ورؤية بعض المحللين السياسيين لنشأة تيار الإخوان المسلمين في‮ البحرين‮ "على‮ يد الشيخ عبدالرحمن الجودر‮" وفي‮ الكويت‮ "على‮ يد الشيخ عبدالعزيز المطوّع‮" في‮ نفس الوقت وفي‮ نفس الحقبة من الزمن،‮ حيث التقى كل منهما بالإمام الراحل حسن البنا،‮ ولكن‮ يرى النقاد أن تيار الإخوان في‮ الكويت بزغ‮ نجمه مقارنة بنظيره البحريني‮ فيوضح جناحي‮ قائلاً‮:

"لا أستطيع أن أؤكد صحة أو خطأ هذه المعلومة،‮ ولكن بالتأكيد هناك اختلافات بين البلدين تجعل هذه المقارنة‮ غير منصفة،‮ وأقصد بهذه الاختلافات الانفتاح السياسي‮ في‮ الكويت،‮ والذي‮ ربما كان أفضل من سائر الدول الخليجية‮.. إضافة إلى الوضع الطائفي‮ والمذهبي‮ في‮ الكويت والذي‮ يختلف عن نظيره البحريني‮.. وكذلك الهيمنة اليسارية والقومية التي‮ برزت في‮ البحرين بشكل أكبر منه في‮ سائر دول الخليج‮".

 

جمعية الإصلاح - مملكة البحرين

 

وعن حقيقة الانتقادات التي‮ وجهت لجمعية الإصلاح والتي‮ أبرزها أن الجمعية فرضت على نفسها عزلة شعورية منعتها من الاندماج في‮ المجتمع،‮ وأنها ذات فكر جامد تجاوزه الزمن‮!.. يجيب الأستاذ جناحي‮ قائلاً‮:

"يجد المنصف نفسه في‮ حيرة من أمره إن هو أراد تبيان الحقائق والرد على الشبهات والافتراءات،‮ فمعظم ما كتب عن الجمعية‮ - على عادة أكثر ما‮ يكتب في‮ الصحافة هذه الأيام‮ - إنما هو مزيج من التعميمات والانطباعات والظن والتوقعات،‮ ولا‮ يخلو أكثره من انعكاس لخلافات شخصية،‮ وأهواء لا تستند إلى وقائع ملموسة،‮ أو‮ ينبئ في‮ بعضه‮ - على أحسن تقدير‮ - عن عدم اطلاع على واقع الجمعية وأحوالها‮. ونحن لا ندري‮ كيف‮ يمكن لمنصف أن‮ يتهم جمعية الإصلاح بوقوعها في‮ حبائل العزلة الشعورية ومقاطعة المجتمع ومشاكله،‮ في‮ الوقت الذي‮ تعد فيه هذه الجمعية من رواد العمل الإسلامي‮ الشعبي،‮ وفي‮ الوقت الذي‮ تعزو فيه الجمعية سبب نجاحاتها في‮ الكثير من أنشطتها‮ - بعد توفيق الله تعالى‮ - إلى تجاوب الجمهور معها،‮ ذلك التجاوب الذي‮ ما جاء إلاّ‮ نتيجة للثقة التي‮ تتمتع بها الجمعية لدى الغالبية العظمى من الجمهور البحريني‮ الكريم‮.. وتلك الثقة التي‮ ما كانت الجمعية لتحظى بعشر معشارها لو كانت متمترسة وراء جدران العزلة الشعورية‮!".

 

ويواصل جناحي‮ حديثه مؤكداً‮ على ضرورة الانتباه جيداً‮ في‮ التعامل مع بعض المصطلحات الفكرية التي‮ وردت في‮ كتابات بعض المفكرين الإسلاميين،‮ وبخاصة الشهيد سيد قطب رحمة الله عليه،‮ الذي‮ قصد بـ‮ "العزلة الشعورية‮" أن‮ يحصن المسلم الملتزم نفسه من التأثر بالأفكار والأجواء المناهضة للفكرة الإسلامية،‮ فلا‮ يتأثر بها،‮ كي‮ يصلح أن‮ يكون داعية إلى المجتمع الإسلامي‮ السليم،‮ لأن القاعدة تقول‮ "فاقد الشيء لا‮ يعطيه‮".

 

ويؤكد جناحي‮ أن جمعية الإصلاح لها سجل حافل من التواصل مع المجتمع والتجاوب مع مشاكله،‮ والتعاطي‮ مع كافة فئاته من خلال تشكيلة متنوعة من الأنشطة في‮ شتى المجالات‮.

فقد قامت بواجبها الديني‮ والوطني‮ تجاه الشريحة الأكثر فقراً‮ من أبناء مجتمعنا من خلال لجنة الأعمال الخيرية،‮ التي‮ هي‮ امتداد للجنة الاجتماعية بالجمعية،‮ ونضيف إلى ذلك الكثير مما‮ يمكن تسميته بـ‮ "أوليات جمعية الإصلاح‮" في‮ البحرين،‮ ومن الأمثلة على ذلك أنها أول من أقام مراكز تحفيظ القرآن الكريم في‮ البلاد في‮ عام‮ 1975م،‮ وهي‮ أول من بادر بإقامة معرض الكتاب الإسلامي‮ كل سنتين منذ بداية الثمانينيات لتروج للفكر الإسلامي‮ الوسطي‮ المعتدل،‮ وهي‮ أول من اهتم بإحياء العشر الأواخر من رمضان،‮ خاصة ليلة السابع والعشرين منه‮. وتعتبر جمعية الإصلاح أول من اهتم بنشر النشيد الإسلامي‮ الهادف،‮ كبديل عن الأغاني‮ الماجنة،‮ ولها الريادة في‮ الدعوة للاهتمام بالاقتصاد الإسلامي،‮ والدعوة لإنشاء بنك إسلامي‮. ويضيف جناحي‮ إلى ذلك المشاريع المؤسسية الناجحة للطلاب من مختلف المراحل،‮ كمشاريع‮ "البذور الصالحة‮" و"واحات القرآن الكريم‮" و"شباب المعالي‮" و"منتدى الجامعيين‮".

 

أما ريادة الجمعية في‮ مجال التفاعل مع قضايا الأمة،‮ فالحديث عنه‮ يطول،‮ ولقد كانت لهذه الجمعية جهود لا تنكر في‮ مجال مناصرة الشعب الفلسطيني‮ وصموده منذ عشرات السنين،‮ أبعد كل هذا‮ يقال‮ "عزلة شعورية‮"! و"فكر جامد‮"!

 

وعن دور جمعية الإصلاح في‮ المجتمع البحريني‮ يوضح جناحي‮ أن الجمعية بدأت تبني‮ نظام المؤتمرات العامة لأعضائها من أجل تحقيق هدف نبيل‮ يدل على مدى ما توليه الجمعية من اهتمام بالعنصر البشري،‮ فتبنت فكرة عقد مؤتمرات الإصلاح من أجل تحقيق الوحدة الفكرية بين أعضائها العاملين،‮ وتحديد أولوياتها،‮ وتقييم أدائها،‮ وتوسيع قاعدة الشورى في‮ اتخاذ قراراتها،‮ ومن ثم الانطلاق نحو مزيد من العمل والعطاء لخدمة هذا البلد الطيب وأهله،‮ فعقدت مؤتمر الإصلاح الأول في‮ 1996‮ تحت شعار‮ "نحو ارتباط أوثق بالمجتمع‮"،‮ يليه مؤتمر الإصلاح الثاني‮ في‮ 1998‮ تحت شعار‮ "جيل المستقبل‮ -‮ التحديات والفرص‮"،‮ ثم المؤتمر الثالث في‮ 2000‮ تحت شعار‮ "ثوابت المجتمع وتحديات النهوض والانفتاح‮"،‮ أما المؤتمر الرابع الذي‮ عقد في‮ نوفمبر‮ 2005م فقد كان تحت شعار‮ "نحو تنمية مؤسسية رائدة‮".

ومما‮ يذكر لجمعية الإصلاح كذلك أنها اهتمت بتنمية طاقاتها البشرية عن طريق إنشاء قسم متخصص للتدريب نظم منذ إنشائه عام‮ 1999م عشرات الدورات الإدارية لأعضاء الجمعية العاملين،‮ ولغيرهم من المشاركين‮.

 

ويواصل جناحي‮ حديثه متسائلاً‮: "أليست الجمعية تنتهج نهجاً‮ إسلامياً‮ واقعياً‮ وسطياً‮ معتدلاً،‮ رضيته لنفسها،‮ من واقع تأثرها بمدرسة‮ "الإخوان المسلمين"؟‮

فهي‮ المدرسة التي‮ تعتبر أبعد ما‮ يكون عن اعتزال المجتمع أو النظر إليه نظرة دونية؟ ألم تكن المبادرة السريعة إلى تأسيس جمعية‮ "المنبر الوطني‮ الإسلامي‮" إلا تجاوباً‮ مع المرحلة الجديدة التي‮ نعيشها في‮ زمن الإصلاح؟ ألم تكن النتيجة التي‮ تحققت من خلال صناديق الاقتراع في‮ أكتوبر‮ 2002‮ ونوفمبر‮ 2006‮ إلاّ‮ دليلاً‮ دامغاً‮ على أن هذا التيار‮ يخالط الناس ولا‮ يعتزلهم،‮ وأنه‮ يتصف بفكر مرن‮ - لا جامد‮ - وعنده مهارة في‮ التكيف في‮ ظل تمسكه بقاعدة‮ "التكيف مع المتغيرات والرسوخ على الثوابت‮".

 

وفي‮ رد على سؤال‮ يتعلق بانتشار أنشطة الجمعية في‮ فترة الثمانينيات من القرن المنصرم نتيجة لإيعاز من جهات رسمية لخلق توازن طائفي-‮ سني‮ وشيعي‮ -‮ فيوضح الأستاذ محمود جناحي‮ بقوله‮:

"هذا زعم‮ يفتقر إلى دليل،‮ كما‮ يناقض كل المعطيات الفكرية والتاريخية‮. إن عامل الأحداث الخارجية له دور لا‮ يمكن نكرانه هنا،‮ فقد شهد العالم بأسره ظاهرة الصحوة الإسلامية من بداية السبعينات،‮ نتيجة لعدة عوامل،‮ منها السقوط المروع للنظريات المنافسة للفكرة الإسلامية،‮ من قومية وشيوعية واشتراكية،‮ خاصة بعد نكبة عام‮ 1967م،‮ ومنها الإفراج عن الإخوان المسلمين في‮ مصر،‮ بعد سنوات طويلة من الغياب القهري‮ الظالم،‮ فبدؤوا في‮ العمل من جديد،‮ وبدأ الإنتاج الفكري‮ والثقافي‮ للإسلاميين عامة،‮ وللإخوان خاصة في‮ الانتشار،‮ وبدأت الجماهير في‮ كل العالم الإسلامي‮ تقبل على الفكرة الإسلامية،‮ وبدأت المظاهر الإسلامية كالحجاب الإسلامي‮ والأناشيد الإسلامية والمؤسسات الإسلامية الاجتماعية والثقافية في‮ الانتشار حيثما وجد مسلمون‮! ولم تكن البحرين بدعاً‮ في‮ ذلك‮. ولم‮ يكن السبب‮ يوماً‮ من الأيام رغبات من جهات عليا أو توجيهات من متنفذين كما حاول بعض الكتاب أن‮ يصوروا‮!".

 

وفي‮ رد على سؤال‮ يتعلق بانتقاد الجمعية أنها أهملت كتابة تاريخها فمنعت الأجيال من الاطلاع على تجربتها،‮ فيوضح جناحي‮ أن مسألة تدوين تاريخ الجمعية،‮ موضوع في‮ غاية الأهمية،‮ ويشعر بأهميته أعضاء الجمعية ومحبيها وحتى خصومها‮!

والتاريخ شعاع من الماضي‮ ينير الحاضر والمستقبل،‮ ولاشك في‮ أن الجمعية جادة في‮ توفير كل الوسائل المتاحة لتدوين هذا التاريخ المشرّف بأسرع وقت ممكن،‮ وقد أنجزت من ذلك الكثير،‮ ولكن الأمانة تقتضي‮ التأني‮ في‮ تنفيذ تلك المهمة الصعبة،‮ إذ هناك بعض العوائق كالحاجة إلى استكمال بعض النواقص في‮ بعض المراحل التاريخية وبخاصة في‮ الخمسينات والستينات،‮ وكذلك الحاجة إلى التأكد من بعض الأحداث،‮ فالتاريخ أمانة،‮ والجمعية‮ - مع اعترافها بواجبها في‮ كتابة هذا التاريخ ونشره‮ - ترى أن التعجل في‮ ذلك قبل استيفاء الموضوع حقه خضوعاً‮ لضغوط الصحافة خطأ لا‮ يجب الوقوع فيه‮.

 

ويتطرّق جناحي‮ للحديث عن الإخوان المسلمين بشكل عام ودورهم بين الحقيقة والافتراء موضحاً‮ أنه قد دأبت بعض الأقلام على النيل من الإخوان المسلمين،‮ وكيل السباب والاتهامات الجائرة لهم،‮ حيث أصبحنا نقرأ بأن الإخوان هم‮ "أصل البلاء‮.. وأنهم أدخلوا التشدد إلى منطقة الخليج‮.. وأنهم السبب في‮ انتشار ظاهرة التكفير‮.."!! إلى‮ غير ذلك من الاتهامات الخالية تماماً‮ من الإثبات،‮ والبعيدة تماماً‮ عن الإنصاف‮.

 

ويبين جناحي‮ أنه قد ساء البعض أن‮ يجدوا الجماهير العربية وهي‮ ترجم كافة الرموز والمبادئ المستوردة من الشرق أو الغرب،‮ وتتشبث بمقدساتها الإسلامية العظيمة،‮ وذهلوا وهم‮ يرون الجماهير المخلصة في‮ كافة ديار العروبة والإسلام وهي‮ ترفع الشعارات التي‮ تؤكد انتماءها للإسلام،‮ وتعرض عما سواه‮. ولما كان للإخوان المسلمين الدور الرائد في‮ تشبث الجماهير بإسلامها،‮ استحقوا في‮ نظر الخصوم النصيب الأكبر من حملات التشويه الإعلامي‮ والتحريف الفكري‮.

 

الإخوان المسلمون وفكر التكفير

وفيما‮ يتعلق بموقف الإخوان من قضية التكفير‮ يفسر جناحي‮ ذلك بقوله‮:

"أما عن تهمة التكفير وإلصاقها بالإخوان،‮ فإن التكفير عندهم قضية خطيرة جداً،‮ ولا‮ يجوز التساهل فيها،‮ فإن الذي‮ نحكم عليه بالكفر نخرجه من الملة،‮ ونفصله عن الأسرة،‮ ونفرّق بينه وبين زوجه وولده،‮ ونعده عدواً‮ لله ورسوله والمؤمنين‮. لهذا انتبه الإمام حسن البنا رحمه الله لهذا الأمر الخطير،‮ فذكر في‮ الأصل العشرين من الأصول التي‮ ذكرها في‮ رسالة‮ "التعاليم‮" ما‮ يلي‮: "لا نكفر مسلماً‮ أقر بالشهادتين،‮ وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض،‮ برأي‮ أو معصية،‮ إلا إن أقرّ‮ بكلمة الكفر،‮ أو أنكر معلوماً‮ من الدين بالضرورة،‮ أو كذب صريح القرآن،‮ أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال،‮ أو عمل عملاً‮ لا‮ يحتمل تأويلاً‮ غير الكفر‮".

 

ويؤكد جناحي‮ على حقيقة هامة وهي‮ أن‮ "للإخوان أصول‮ يرجعون إليها في‮ مسائل خطيرة كهذه‮"،‮ ولقد كانت سيرتهم العملية مصداقاً‮ لأصولهم النظرية‮. ففي‮ فترة الخمسينات والستينات،‮ عندما كان الآلاف من الإخوان‮ يعانون شتى أنواع التعذيب والتنكيل في‮ سجون مصر،‮ بدأت تظهر بين البعض منهم دعوات‮ غريبة عن منهجهم الفكري‮.. أخذت تتخذ شيئاً‮ فشيئاً‮ طابع التكفير،‮ وكانت هذه النظرة قائمة على أساس أن أعمال التعذيب الرهيبة هذه لا‮ يمكن أن تصدر عن أناس مسلمين،‮ فانتهى بهم ذلك إلى تكفير الحكومة،‮ أي‮ الدولة ورجالاتها،‮ وبما أن المجتمع لا‮ يبدي‮ اعتراضه على هذه الممارسات،‮ فالمجتمع كافر أيضاً‮!!".

ولكن الإخوان أعلنوا حالة الطوارئ بين صفوفهم وهم في‮ الزنازين‮! وأقاموا دروساً‮ فكرية توعوية،‮ وبيّنوا لأفرادهم المنهجية الصحيحة في‮ التعامل مع الحكام والشعوب في‮ مثل هذه الأوضاع‮.

وكانت للجهود التي‮ قام بها الإخوان وخاصة جهود الأستاذ حسن الهضيبي‮ رحمه الله،‮ والتي‮ منها كتابه الذي‮ ألفه‮ "دعاة لا قضاة‮" الأثر العظيم في‮ التصدي‮ لظاهرة التكفير ومحاصرة الفكر التكفيري‮ في‮ مصر،‮ والحد من انتشاره‮.

 

الإخوان وظاهرة التشدد

وعن ظاهرة التشدد والتصاقها بالإخوان المسلمين‮ يوضح الأستاذ محمود جناحي‮ بقوله‮:

"الإخوان هم أبعد الناس عن ظاهرة التشدد الديني‮ والفقهي،‮ وهم‮ يلتزمون بالقاعدة الذهبية التي‮ تقول‮: "نتعاون فيما اتفقنا عليه،‮ ويعذر بعضنا بعضاً‮ فيما اختلفنا فيه‮". إن آلاف الكتب والرسائل التي‮ كتبها قادة الإخوان ومفكروهم ودعاتهم،‮ أمثال حسن البنا وحسن الهضيبي‮ وعمر التلمساني‮ ومصطفى مشهور ومصطفى السباعي‮ ويوسف القرضاوي‮ ومحمد الغزالي‮ وفتحي‮ يكن وغيرهم الكثير،‮ والسيرة العملية للإخوان طوال العقود الماضية لهي‮ خير شاهد على الفكر الوسطي‮ المتسامح الذي‮ يلتزمه الإخوان أينما وجدوا،‮ وحيثما حلّوا‮".

 

فقه الجهاد عند الإخوان

وفي‮ رد على سؤال‮ يتعلق بحقيقة فقه الجهاد عن الإخوان،‮ يجيب جناحي‮ موضحاً‮ أن الإخوان المسلمين بذلوا ما في‮ وسعهم من أجل إحياء معنى الجهاد الإسلامي‮ الأصيل كما فهمه وطبقه السلف الصالح رضي‮ الله عنهم،‮ فلم‮ يعملوا على توجيه الحراب إلى صدور الأبرياء والمسالمين،‮ بل وجهوا جهودهم للتصدي‮ لقوى الاستعمار الرابض على أراضي‮ البلاد الإسلامية،‮ المنتهك لحرمات الديار والمقدسات‮.

وسوف‮ يذكر التاريخ أن الإخوان‮ يعدون الفئة الوحيدة تقريباً‮ التي‮ جاهدت اليهود وقاتلتهم قتالاً‮ حقيقياً‮ في‮ حرب فلسطين عام‮ 1948 وها هي‮ معارك وملاحم عسلوج وتبة اليمن والتبة‮ 86‮ وصور باهر والقدس والنقب تشهد على بطولاتهم،‮ وها هو التاريخ‮ يسجل أن قيادة الجيش المصري‮ كانت تستنجد بمجاهدي‮ الإخوان كلما عانت من صعوبات في‮ ميدان القتال‮.

كما كان للإخوان النصيب الأوفر في‮ أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإنجليزي‮ في‮ منطقة القنال في‮ أوائل الخمسينيات‮. وهكذا وجه الإخوان جهودهم الجهادية ضد أعداء الأمة،‮ وليس ضد أوطانهم وأبناء مجتمعاتهم‮. وهذا هو فقه الجهاد عند الإخوان ولكن‮.. أين الإنصاف؟‮!

 

الإخوان المسلمون والعنف السياسي

وفيما‮ يتعلق بممارسة الإخوان المسلمين للعنف السياسي‮ يبين جناحي‮ قائلاً‮:

"لم تسجل ضد الإخوان المسلمين حادثة عنف واحدة،‮ ولعل التصريحات التي‮ سوف نذكرها هي‮ أبلغ‮ جواب للرد على نفي‮ تلك التهمة عن الإخوان ومن أبرزها‮: تصريحات الرئيس المصري‮ حسني‮ لجريدة‮ "لوموند‮" الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة‮ 1993‮ والتي‮ قال فيها‮: "إن هناك حركة إسلامية في‮ مصر تفضل النضال السياسي‮ على العنف،‮ وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في‮ انتخابات النقابات المهنية،‮ مثل الأطباء والمهندسين والمحامين‮".

وتصريحات وزير الداخلية المصري‮ الأسبق اللواء حسن الألفي‮ في‮ مؤتمره الصحفي‮ الذي‮ نشرت وقائعه جريدة‮ "الأهرام‮" عام‮ 1994‮ عندما سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية،‮ أجاب‮: "الإخوان جماعة لا‮ يرتكب أفرادها أعمال عنف،‮ بعكس تلك المنظمات الإرهابية‮".

وتصريحات خبير الإرهاب الدولي‮ بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين،‮ حيث صرّح في‮ مقابلة موسعة له عن التطرّف والإرهاب مع جريدة‮ "الأنباء‮" الكويتية عام‮ 1994‮ قائلاً‮: "إن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرّف‮". ومن هنا نلمس أن الإخوان ارتضوا النضال السياسي‮ السلمي،‮ وطوال هذه الفترة التي‮ كان الإخوان قد اختاروا فيها العمل السياسي‮ السلمي،‮ كانت‮ "الجماعة الإسلامية‮" و"تنظيم الجهاد‮" تنتقدان بشدة أسلوب الإخوان في‮ العمل‮.

وبعد حوالي‮ ثلاثة عقود من الانتقادات القاسية والسباب والشتائم،‮ ها هي‮ بيانات وإصدارات‮ "الجماعة الإسلامية‮" تتبنى نفس نهج الإخوان وتعترف بالأخطاء التي‮ ارتكبت خلال الفترة الماضية‮.
‮ فالإخوان ليسوا ممن اتبع نهج التكفير،‮ بل هم خير من ساهم في‮ التصدي‮ لهذه الظاهرة حركياً‮ وفكرياً
‮".

 

ويختم الأستاذ جناحي‮ حديثه لـ‮ "الوطن‮" مشيراً‮ إلى أنه ليس من المؤلم أن تنتقد جمعية الإصلاح،‮ فهي‮ ليست معصومة،‮ بل إن النقد‮ يدل على حياة هذه الجمعية العريقة وحيويتها وقوتها،‮ ولكن المؤلم في‮ الأمر أن توجه السهام الجارحة بطريقة توحي‮ للقارئ والمواطن العادي‮ أن تلك الجمعية العريقة خالية من الإيجابيات‮! والأكثر إيلاماً‮ للنفس،‮ أن تتعدى بعض الكتابات حدود النقد إلى تجريح الأشخاص والافتراء والتهم‮. وكما أنه لا أحد أكبر من النقد،‮ فإنه لا‮ غنى لأحد عن العدل والإنصاف‮.

 
المصدر: جريدة الوطن - البحرين طباعة المقال

بدعم من: جناحي إنفو - عمار جناحي