|
بقلم: عبد الله العباسي
التاريخ: 1 يناير 2010م
القسم: مقالات مختارة
لا أحد يستنكر على الحكومة أنها ترتبط بمصر بعلاقات دبلوماسية
غاية في القوة، وأن الحكومتين شديدتا الاعتزاز بهذه العلاقات
كدولتين عربيتين، ثم لأن الدولتين كلتيهما لهما توجهات سياسية
خارجية موحدة فيما هما تسيران تحت مظلة واحدة شاء شعبانا ذلك
أم أبيا، فهذه إرادة الحكومات وليست إرادة الشعوب، وقد آمنا
بقدرنا بأننا شعوب مسلوبة الإرادة غير قادرة حتى الآن على فرض
إرادتنا إلى أن يحكم الله.
ولا يستنكر أحد أن علاقات قادة العرب لها تمَيُّزها ولها
اعتزازها الخاص وأن الشعوب في حساب القادة لا مكانة لها، من
منطلق إن رب الأسرة أدرى بمصالح أفرادها وإن العيال لم تكبر
ولم تنضج بعد! وقد آمنا بقدرنا بأننا كشعوب عربية ألا نكابر
حتى ينكشف بعد عكس ذلك أو تُسلِّم القيادات بأنها هي التي تسير
عكس التيار.
لا نستنكر على الحكومات العربية محاولة الإعلام عن عدم إحراجها
في علاقاتها الحميمية التي تربط بينهما، وحتى الإعلام المتزن
يدرك ذلك، بل إن بعض أجهزة الإعلام صار يتوجه صوب وجهة نظر
الحكومة دون أيِّ تريُّث، فهي كما قال الشاعر:
وما أنا إلا من غزٍيَّةَ إنْ غزت غزوت
وإنْ تـــرشــــد غـــزيــةُ أرشُـــــــــــدِ
وما أن تنقشع الغمة المؤقتة حتى يعود نفس الإعلام إلى العزف
على نفس الوتر مما كاد يُفقِده كثيراً من مصداقيته، ولو شذ
أيٌّ منه عن هذه القاعدة اعتُبِر مرتداً، حتى كاد هذا الإعلام
أشبه بمسيلمة الكذاب أمام شعبنا، بحيث صارت تنطبق عليه المقولة
الشعبية (كلام جرائد)، بمعنى إن كثيراً من صحافتنا وأجهزة
إعلامنا قد فقدت مصداقيتها.
هذا والمتفَق عليه أن التطاول على أي نظام آخر يمنعه القانون،
لكن المختلًف عليه هو النظرة تجاه ما هو المتفق عليه والمختلف
عليه قانوناً. فالقانون أجاز حرية النقد وحرية الحديث
والشفافية، وإن كانت تمس المجال المحلي وهذا أيضا ما قد نختلف
عليه. فالإنسان العربي أو المسلم يرى أن الحدود العربية
والإسلامية هي حدود داخلية وليست خارجية، وإلا لَما كان
للمواطن العربي ولا للأنظمة العربية حق الحديث عن مقدساتها في
فلسطين وغيرها.
ومن هنا نبدأ الاتفاق جماهيرياً على أن نقد النظام المصري يقع
ضمن حدود القانون ولا يحق لأحد المساس بهذه الحرية، فالحديث عن
حرية مصر في بناء سور فولاذي في مواجهة غزة بعمق هكذا قدم،
يعني في قاموس الجمهور العربي محاولة خنق الشعب الفلسطيني في
غزة، وهو أمر لا يمس شعب غزة وحده بل يمس الشعب العربي المصري
المسلم ذاته، والذي أثبت عبر تاريخه الإسلامي العربي الطويل
أنه في مقدمة الأمة دفاعاً عن مقدسات العرب والمسلمين، وأنه لم
ولن يتراجع عن هذا الدور وإنْ تراجع حكامه، علما بأن القيادة
المصرية في العصر الأمريكي بدأت تشذ عن هذه القاعدة، بينما في
عهد المماليك دافع قيادتهم في مصر عن الأمة، فما أسوأ العصر
الأمريكي البغيض الذي أذل عددا من الحكومات العربية. لكن من
المؤكد أن العصر الأمريكي أضعف من أن يجر الشعب العربي المصري
المسلم الحر وراءه ويُخليه من ثوابته الحقيقية. فلهذا فإن هذا
الجدار لن يقوم ما دام هذا الشعب حياً.
هذا الكلام ليس كلام الشيخ د. فريد هادي بل هو ما يقوله الشعب
المصري، لا بل هو حديث كل الشعوب العربية والإسلامية. فهل قرار
قيام إدارة الأوقاف السنية بإيقاف الدكتور فريد عن خطبة الجمعة
هو قرار رسمي حكومي يمثل وجهة نظر الدولة لما بعد عهد المصالحة
الوطنية والممهد للديمقراطية والشفافية أم أننا ما نزال في
دولة كل إدارة رسمية تتخذ قراراتها حسب هواها فهي دولة داخل
دولة وأشبه بقانون الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم
أن المصالحة الوطنية شملت طائفة من الشعب ولم تشمل الطائفة
الأخرى التي تنظر لها الحكومة أنها موالية لها والموالي عليه
السمع والطاعة فقط؟!
إن مثل هذه النظرة ظلم وإجحاف في حق هذه الطائفة الواسعة من
المواطنين الأَولى بالتكريم والاحترام والاعتزاز، لا أن يكون
مكان تجاهل مشايخه، فهل يعتقد قادة النظام إن هؤلاء ليس وراءهم
مواطنون يتأثرون بما يجري لمشايخهم؟ وهل هؤلاء مجرد حجر في
اليَم؟
من هنا أكرر دائماً إن المطلوب من القيادة الرشيدة أن لا تفكر
في صيد العصافير التي فوق الشجرة فقط وتتجاهل العصفور الذي في
اليد فقد يطير هو الآخر لو زاد الإجحاف في حقه، فهل سمع أحدنا
أن دائرة الأوقاف الشيعية تجرأت فأوقفت عالماً أو شيخاً من
مشايخ الجوامع أو المآتم التي تشرف عليها يوماً؟ بالطبع لا.
وإذا كان عذر دائرة الأوقاف السنية أنها تصرف بضعة دنانير
لهؤلاء فلا داعي لهذا، ولا أعتقد أن الدكتور بحاجة لتقاضي هذا
المبلغ، أما إذا كانت المسألة إن كل المساجد السنية بجوامعها
ومنابرها إرث خالص لدائرة الأوقاف فهذا هو الظلم العظيم، لأن
الأوقاف السنية شذت عن القاعدة وحولت حتى هؤلاء الخطباء إلى
خدم يطيعونها فيما لا يطاع الله! فالخطيب المؤمِن عليه تنبيه
الأمة، إذ لم تعد خطب التهديد بالنار والترغيب في الجنة وحدها
التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية بقدر ما تحتاج إلى توعية
سياسية حقيقية مثلما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم، خصوصا وأننا في زمن صارت فيه السياسة تفرض مسار الدين،
بل في مرحلة صار الدين والمسلمون مهددون فيها، ففي الغرب
يحاربون مآذن المسلمين مثلما حدث في سويسرا المحايدة ذات
الثقافات المتعددة، وفي فرنسا التي يريد مجلسها النيابي فرض
قانون لمجرد 187 امرأة مسلمة يرتدين البرقع من مجموع خمسة
ملايين مسلم بها، وتعتبرها ظاهرة، في الوقت الذي لا يستدعي مثل
هذا الالتفات إليه لا الحرب القائمة على الإسلام ولا تَلَهُّف
إسرائيل على ابتلاع أراضي الفلسطينيين وتدنس مقدسات المسلمين
ومحاولات إخلاء القدس من سكانها لتستبدلهم بيهود مستقدّمين من
شتى بقاع الأرض، فهل نحن أيضا نتحول إلى معول هدم مع الغرب؟
النظام العربي المسلم الذي يشارك المتطرفين من الأوروبيين
وعصابات الصهاينة لا بد من التصدي لا بالحسنى له فحسب، بل كما
قاله الله سبحانه وتعالى. وما تناوله الدكتور هادي لم يخرج عن
الخيار الشرعي الذي أمرنا الله به، فهل لدائرة الأوقاف السنية
رأي آخر حتى تستعدي كل الجماهير ضدها؟ ترى ماذا جنت من هذه
الإساءة إلى هذا الأكاديمي الحافظ لحدود دينه، غير العديد من
تبادل الرسائل النصية تهاجم فيها الأوقاف، عدا المزيد من شماتة
من يتمنى أن يتسع الخلاف بين الموالين.
وماذا جنت دائرة الأوقاف السنية سوى تأليب المنبر الإسلامي على
الحكومة، فهل هذه الدائرة تخدم النظام أم تتخذ قراراتها حسب
هواها وحسب ما يحلو لها دون إدراك لسياسة جلالة الملك
واحتراماً لقراراته، ها هي بهذا قد تضطر الحكومة لاستصدار قرار
بعدم تدخلها في شؤون خطباء الجوامع، وساعتها تكون قد خسرت
المساحة المتاحة لها، بحيث تكون المساحة واسعة ولكن في حدود
التعقل، فالذي يدير مؤسسة حكومية في ثقل وأهمية الأوقاف يجب أن
يكون محيطاً بمستجدات السياسات في الدولة والقيادة، ولا تأتي
قراراته من منطلق الهوى، فهذه القرارات يجب أن تأتي من وحي
يوحى حتى لو كان هذا الوحي أرضياً وليس سماوياً، فكم ستُحرَج
الحكومة اليوم لو توجه مشايخ الدين والنواب نحو جلالة الملك أو
سمو رئيس الوزراء، وسيتبين مدى الإحراج لقيادة ديمقراطية عندما
يُدلون برأيهم فيها، وبين ما تناقضه قيادة إدارة الأوقاف.
فلماذا لا تتخذ دائرة الأوقاف الشيعية مثل هذه القرارات وتنأى
بنفسها عن الوقوع في مثل هذه الأخطاء بحيث لا ينطبق عليها
المثل العربي (لا يُطاع مَن أمَرَ بما لا يستطاع ) أو المثل
الشعبي (ما لان وانكسر).
إن الدور الحقيقي لهذه الدائرة هو أن تراقب احتياجات المساجد
والجوامع ودفع رواتب المؤذنين والأئمة، لا تطفيش المصلين بدوام
البحث عن خطباء غير بعض الخطباء الذين لا يحبذ المصلي الصلاة
خلفهم بسبب خطبهم التقليدية المكررة، وعليها الاشتغال بسياسة
الدولة ومتابعتها بتنفيذها وإلا لما بلَّغت رسالة جلالة الملك
ولما حافظت على تصحيح العلاقة بين القيادة والمواطنين، أقصد كل
المواطنين المعارضين والموالين معا. فكم نتمنى لدائرة أوقافنا
أن يوفقها الله في أداء مهمتها بأمانه وصدق وهمة، وتكون واجهة
إسلامية صحيحة ونشطة، كما نتمنى لقيادتها أن تطور آلياتها بحيث
تصبح أكثر مرونة وقادرة على التكيف مع المد الإسلامي الواقعي
المتشبث بثوابت دينه، دون غلو ولا اندفاع إلى التطرف حتى لا
تصبح العصافير العشرة فوق الشجرة.
إنني أراهن أن قيادتنا الإصلاحية ترفض ذلك وفي مقدمتهم سمو
رئيس الوزراء نفسه الذي أعلن أن القيادة ليست فوق النقد، ولكن
أن يكون النقد بأسلوب مهذب. فهل انتقد الدكتور الشيخ هادي
النظام العربي المصري بما يستحق إيقافه عن خطبة جامع العدلية؟!
وهل صدق من قال لقد بدأ الصراع بين الإسلاميين في بلادنا منذ
وقت مبكر قبل الانتخابات؟ وكما يقول اللبنانيون (يا عيب الشووم).
|