|
بقلم: الدكتور عدنان بو مطيع
التاريخ: 2 يناير 2010م
القسم: مقالات مختارة
خيراً فعلت إدارة الأوقاف السنية بالتراجع عن قرارها إيقاف
الشيخ الدكتور فريد هادي خطيب جامع العدلية عن الخطابة.
التراجع عن الخطأ فضيلة، خصوصاً حينما تقوم به إدارة حكومية
مؤثرة كإدارة الأوقاف. فقرار الإيقاف فاجأ الجميع وأدهشهم،
ولأن الفعل كان كذلك.. كانت ردة فعل الجماهير السنية في
البحرين كبيرة وغاضبة. ولذا كان لابد من إصلاح الوضع سريعاً
قبل أن تصبح له تداعيات تُفَجِّر ما كان مختبئاً تحت الرماد.
نقول إن قرار الإيقاف كان مفاجئاً ولم يكن موفقاً من عدة أوجه.
فلا الأسلوب كان مناسباً للتعامل مع الشيخ، ولا التوقيت، ولا
حتى السبب الذي قيل إنه حرَّك إدارة الأوقاف لاتخاذ القرار.
وأخيراً لم يكن القرار حكيماً بإيقاف خطيب في مكانة الشيخ
هادي، ولنبدأ من هذه النقطة.
يعد الشيخ الدكتور فريد محمد هادي من جيل العلماء الشباب
المثقفين الذين مزجوا علمهم الشرعي بالثقافة الغربية. فهو حاصل
على شهادتي دكتوراه الأولى من جامعة أدنبره الاسكتلندية
والثانية من المغرب. وكان موضوع أطروحته التي نال عليها الدرجة
عن الوسطية في الإسلام. ولم يلبث بعد عودته من الدراسة في
بريطانيا أن عُيِّن رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية واللغة
العربية في جامعة البحرين. وظل في منصبه حتى الشهر الفائت.
وخلال مدة تجاوزت العشرين عاماً، أي بعد عودته من دراسة
الماجستير في الرياض، عُرِف الشيخ خطيباً مفَوَّهاً وداعية
لفكر الوسطية والالتزام، ومتحدثاً باللغتين العربية
والإنجليزية. واتسمت خطبه بالعمق الفكري واتساع أفق التفكير في
قضايا الشريعة. وأضحت له سمعة محترمة في الأوساط الشرعية داخل
وخارج مملكة البحرين. وقد جرى اختياره عضواً في العديد من لجان
الفَتيا في عدة بنوك إسلامية. كما أنه عضو مؤسس لمعهد البحرين
للعلوم الشرعية وعضو مجلس أمناء جامعة مكة المكرمة المفتوحة.
إن شخصية علمية وأكاديمية بهذا الوزن والتاريخ كان من غير
المستساغ إيقافها عن طريق اتصال من موظف صغير في إدارة الأوقاف
تبلغه بأن «الشيخ ... يقول لك: لا تخطب الجمعة القادمة». فهذا
الأسلوب لا يليق مع مرحلة الانفتاح التي أطلقها جلالة الملك من
خلال مشروعه الإصلاحي. كما لا يمكن قبول الاستهانة بمقام
العلماء والتقليل من قدرهم والتهوين من شأنهم بهذه الطريقة.
وقد أحدثت هذه الخطوة غير الموفقة من إدارة الأوقاف مرارة لدى
الناس، فهي تُذَكِّرهم بأسلوب قديم في إسكات العلماء وتوقيفهم
عن الخطابة، كما حدث في التسعينيات الماضية من إيقاف الشيخ
الدكتور عبد اللطيف آل محمود وشقيقه الدكتور أحمد آل محمود،
والشيخ العلامة نظام يعقوبي نابغة الاقتصاد الإسلامي في وقتنا
المعاصر، والشيخ الدكتور ناجي العربي، والشيخ خالد محمد عاشير
وغيرهم من الخطباء الربانيين، الذين مُنِعوا من تربية وتوجيه
الجماهير فحرمت هذه الجماهير من علمهم وفقههم. وصارت المنابر
في بعض الجوامع حكراً على أنصاف العلماء وحديثي التخرج، كما
صارت عملية تعبئة منابر الخطابة بالموظفين الذين لم يضيفوا
شيئاً سوى إشغال المكان الفارغ على منبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
أما سبب التوقيف فهو رأي في قضية سياسية يختلف عليها الناس
اليوم ليُجمِعوا عليها غداً، شأنها شأن عموم قضايا السياسة.
والقضية المثارة كان لها بعدٌ إنساني وشرعي يختص بقضية (الجدار
الفولاذي) حول غزة المحاصرة، والتي يمكننا التحدث فيها دون
انقطاع. فهي جدلية الصراع بين الحق والباطل. أي إن موضوع
الخطبة والتي بسببها جرى التوقيف لم يكن بالسبب الذي ينال هذا
القسط من الاهتمام.
وأخيراً، فإن توقيت التوقيف لم يكن لصالح عامة الناس حيث
مناسبة عاشوراء التي توقف فيها حكومة البحرين الدوام الرسمي.
ففي هذا الوقت يكون الوضع متوتراً لتمرير المناسبة دون منغصات
أمنية. وإضافة وجع آخر لسلطات الأمن من قبيل المس بعلماء أهل
السنة لم يكن في صالح الأمن العام، لاسيما وأن أنصار الشيخ
الدكتور فريد هادي قد توعدوا بتصعيد الأمر باعتصامات للتراجع
عن قرار التوقيف. فضلاً عن ذلك، فإن إدارة الأوقاف قد شرعت في
الأسبوع نفسه في تنظيم ملتقى الأئمة والخطباء التي نادت فيه
بضرورة تطوير أدوات الخطابة لدى الأئمة والخطباء الشرعيين!
ولذا نتمنى أن تكون هذه الحادثة بداية لعهد جديد يتناغم وأجواء
الحرية التي تعيشها البلاد. ولابد من إعادة التدقيق في إجراءات
توقيف الخطباء عن الخطابة لتكون بطريقة أكثر تعقلاً، وفي الوقت
نفسه أكثر مسؤولية، فتكون بقرار يمثل مجلس إدارة الأوقاف
السنية لا أفراداً بعينهم. هذا مع أننا ضد أي قرار لتوقيف
الخطباء، وإذا ما تم التوقيف فلابد ألاَّ يصدر إلا من وزير
العدل والشؤون الإسلامية نفسه حماية لعلمائنا من أية إساءات.
وكما بدأنا بشكر إدارة الأوقاف السنية، نكرر إشادتنا بإلغاء
توقيف الشيخ فريد هادي. فلعلها خطوة قد طيَّبت النفوس وطردت
الشيطان.
|